اختر لونك المفضل

قائمة الجوال

(غرباء وأولادهم أحياء)..!

يبدو هذا العنوان غريباً لكنه واقعيٌ للأسف ؛ فمن خلال عملي كأخصائية إجتماعية إعترضتنا مشكلة غريبة يلوّنها العقوق بلونه الأسود وهي مشكلة مرضى كبار في السن يتم إدخالهم للمستشفيات من قِبَل ذويهم وينسونهم ويمضون في حياتهم وكأنهم لم يرتكبوا إثماً عظيماً وهو العقوق وكأن آباءهم وأُمهاتهم قد ماتوا وهم لايزالون أحياء ، حيث يتحول أُولئك الآباء والأمهات الى مشكلةٍ تسمى (المرضى ذوي إقامة طويلة) لأنهم لا يحتاجون الى تلك البقاء في المستشفيات مدة طويلة بل يحتاجون فقط الى مراجعات بين الحين والآخر لكن ذويهم رموا على المستشفيات واجب رعايتهم والإهتمام بهم وقد أصبحوا في أمسّ الحاجة للبرِّ بهم وردّ دين السنين الطويلة التي أفنوا زهرة شبابهم خلالها برعاية هؤلاء الأبناء والبنات ، ومع إزدياد أعداد المرضى المنومين الذين يحتاجون فعلاً الى التنويم والرعاية والعلاج ؛ يزيد أُولئك المرضى الذين تخلى ذويهم عنهم العبء على المستشفيات أضعافاً مضاعفة مما يترتب عليه حرمان مرضى آخرين يحتاجون الى التنويم والمعالجة

وقد عايشت قصصاً مبكية من أقسى حالات العقوق بهؤلاء الكبار منها ثلاثة من الأبناء كلهم فوق الخمسين من العمر كل واحد منهم يريد من الآخر أن يأخذ الأم لمنزله وكادوا أن يشتبكون بالأيدي أمامي ، ذَكَّرتهم الله بأمهم المسكينه التي بلغت الخامسة والثمانين من العمر لا تكاد تتحرك وهم بصحة جيدة ميسوري الحال لا يعانون من أي مشكلة تعوق برهم بوالدتهم ونَبّهتهم إلى أن العقوق دَين سيردّه لهم أولادهم قريباً فهم ليسوا بعيدين عن وضع أمهم ولكن لا حياة لمن تنادي.! ، ورجلاً إتَّهَمَ الأطباء والتمريض بالتقاعس عن رعاية والدته وعندما راجعتُ حالتها وجدتها لا تحتاج إلى التنويم الذي (يناظل) الرجل من أجل الحصول عليه لها لكنه يريد السفر مع عائلته للخارج ولهذا يريد أن يدخل والدته للمستشفى وهي لا تحتاج لذلك حتى يتفرغ هو وأفراد عائلته للإستمتاع بالسفر .!! وهذا غَيض من فَيض وما خَفي أشد قسوة.!! ، أين ذهب البرّ والرحمة ولماذا أضاعت قلوب أولئك الرجال والنساء الطريق إليهما.؟ لم قست تلك القلوب التي تتفجر حزناً وألماً وقلقاً لو أصاب أي مكروه أحد أولادهم.؟! ألا يقرأون القرآن ويتدبّرون آياته التي قرن الله سبحانه توحيده بالعبادة مع الإحسان للوالدين والبرّ والرحمة بهما أم على قلوبٍ أقفالها.؟! ، كم نحن بحاجة ماسّة الى وقفةٍ صادقةٍ مع أولئك الكبار الذين أفنوا أعمارهم برعايتنا صغاراً وإحراق زهرة العمر الفتية في السعي لتوفير حياة كريمة لنا بكل السُّبُل وعندما بلغوا آخر محطات العمر وأصبحوا بحاجة لنا فقط ليكملوا البقية الباقية من أعمارهم بكرامة وحب وعطف تخلّى عنهم البعض ممن انسلخوا عن إنسايتهم ودينهم ، وهذه الوقفة لن تذهب هدراً فالله لا يُضيع أجر من أحسن عملاً وما يفعله المرء بوالديه سيفعله به أبناؤه وأقرب الناس إليه واحدةً بواحدةً

وصدق الله القائل: (وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24)) سورة الإسراء.



الأخصائية الإجتماعية:مريم الحربي _ القصيم

إكتب تعليقك

يجب أن تسجل دخولك لكتابة تعليق.